قصة صانع النوافذ والكنز المنسي
في مدينة صنعاء القديمة، حيث تحكي الجدران المزينة بالزخارف الجغرافية قصصًا تعود لمئات السنين، عاش رجل طاعن في السن يُدعى **الحاج قاسم**. كان آخر صانعي **القمريات**، تلك النوافذ القديمة المصنوعة من الزجاج الملون والجص التي تنثر ألوان قوس قزح على أرضيات المنازل مع كل شروق شمس.
كان الحاج قاسم يعيش في منزل صغير ملاصق لمسجد البشير، وورث الحرفة عن أبيه وجده. لكن الزمن تغير، وأصاب بيته وأصحابه الصمت والنسيان. لم يعد أحد يطلب القمريات، فالناس الآن يفضلون النوافذ الحديثة من الألمنيوم والزجاج العادي.
ذات مساء، بينما كان يجلس في محترفه المتواضع، يلمع قطعًا من الزجاج القديم، دقّ الباب. على عتبته وقفت **سلمى**، امرأة شابة تحمل حقيبة ظهر ومخططات معمارية. كانت مهندسة معمارية من عدن، جاءت إلى صنعاء للمساعدة في ترميم أحد المنازل التاريخية العريقة الذي تحول إلى فندق تراثي.
قالت بحماس: "سمعت أنك أفضل من يعرف سر هذه النوافذ. أريد قمرية لبهو المنزل الرئيسي، لكنني أريدها تحكي قصة".
ابتسم الحاج قاسم بحزن: "كل قمرية تحكي قصة يا ابنتي. ولكن، لم يعد أحد يستمع. ماذا تريدين أن تحكي؟"
أخرجت سلمى ورقة قديمة من حقيبتها، كانت نسخة عن رسالة وجدتها مخبأة في جدار المنزل أثناء أعمال الترميم. كُتبت بخط يد أنيق وتتحدث عن "كنز العائلة" المفقود منذ زمن طويل، لكنها لم تذكر سوى إشارة غامضة: **"حيث يرقص نور الظهيرة مع ظل النسر على عين الحكمة"**.
ظن الجميع أن الأمر مجرد أسطورة عائلية، لكن سلمى كانت مأخوذة باللغز.
قال الحاج قاسم وهو يتأمل الورقة: "الكنز الحقيقي ليس ذهبًا أو فضة يا سلمى. كنوزنا هي ذاكرتنا". لكن عينيه تلمعان بشرارة لم تكن موجودة منذ سنوات.
أخذ على عاتقه مهمة صنع القمرية، ليس كأي قمرية، بل كخريطة ضوئية. استخدم قطعًا من زجاج أزرق داكن لتمثل السماء، وأصفر لامعًا للشمس، وبنياً لتمثل الحجر الصنعاني. رسم بتقنية الجص المعقدة شكل نسر، وهو رمز قديم كان يُنحت على بعض القصور.
أثناء العمل، كان يحكي لسلمى عن الرموز القديمة: "هذا اللون الأحمر يُستخرج من حجر محلي، وكان الأتراك يبحثون عنه. وهذا الأزرق، كان يأتي من تجار الهند عبر ميناء عدن".
أصبح البيت الصغير مكانًا للقاء بين حكمة الماضي وطموح المستقبل.
في يوم اكتمال القمرية، قاموا بتركيبها في أعلى البهو الرئيسي للمنزل القديم. مع حلول وقت الظهيرة، وعندما كانت الشمس في كبد السماء، حدث ما لم يكن متوقعًا.
اخترقت أشعة الشمس القوية الزجاج الملون، لتُسقط على الجدار المقابل ليس只是 ألوانًا جميلة، بل **صورة واضحة ومفصلة**. ظل النسر الذي صممه الحاج قاسم، بتقنية دقيقة، تحول بفعل الضوء إلى سهم مضيء يشير مباشرة إلى ركن معين في الغرفة، حيث كانت هناك نحتة صغيرة على شكل عين ("عين الحكمة") على رف قديم.
تحت ذلك النقش مباشرة، وجدوا صندوقًا خشبيًا صغيرًا مغبرًا. لم يكن مملوءًا بالمجوهرات، بل كان كنزًا من نوع آخر: **مخطوطات قديمة** وصفات لعطور منقرضة، **رسائل** بين تجار القطن والبن اليمني مع العالم، **ومجموعة من القطع النقدية** التاريخية التي تحكي تاريخ التجارة في اليمن. كان كنزًا للتاريخ والهوية.
لم تبكِ سلمى من الفرح لأنها وجدت الكنز، بل لأنها رأيت دموع الحاج قاسم وهو يمسك بإحدى المخطوطات التي تصف طريقة صناعة القمريات بالتفصيل، مكتوبة بخط جده.
من ذلك اليوم، لم يعد الحاج قاسم آخر صانعي القمريات. تحول منزله إلى ورشة صغيرة يتعلم فيها الشباب المهتمون بالتراث هذه الحرفة العظيمة. وأصبح الفندق التراثي ليس فقط مكانًا للإقامة، بل وجهة للزوار الذين يأتون لرؤية "القمرية التي قادت إلى الكنز" والاستماع إلى قصة الحاج قاسم وسلمى.
أدركت سلمى أن الكنز الحقيقي كان **الحكمة** التي حملها الحاج قاسم بين يديه، وأن الضوء الذي تبحث عنه لم يكن في المخطوطات، بل في عيني ذلك الرجل العجوز الذي علمها أن بعض الكنوز لا تُخبأ في الصناديق، بل في قلوب الناس وتقاليدهم.
تعليقات
إرسال تعليق